الشيخ علي المشكيني

145

رسائل قرآنى

فيتحصّل ممّا ذكر : أنّ لخالق نوع الإنسان - مثلًا - غرضاً أصيلًا استقلاليّاً ، وغرضاً غير أصيل وتبعيّاً ؛ فوجود الأفراد القابلة للكمال والواصلة إلى مرحلة تنجّز غرض الخلقة في حقّهم والمتلبسة خلعة الخلافة والولاية الإلهيّة غرضٌ أصاليّ استقلاليّ ، ودخولهم الجنّة وخلودهم في دار ثواب اللَّه جزء من الغاية أو ثمرة مترتّبة عليها ، والأفراد المتخلّفة عن مسير الغرض وطريق السعادة مقصودةٌ بالتبع ، ودخولهم النار جزء من الغاية التبعيّة . وإن شئت مثالًا لإيضاح المقصود ، فنقول : إنّ خلق الأرض وإسكان الإنسان فيها كتأسيس مدرسة لتحصيل عدّة من الأطفال وغيرهم مدّة سنين ، والشروع في التدريس والتربية لغرض إيصالهم إلى كمالهم الممكن ، ويعدّ المؤسّس أيضاً للمشتغل المجدّ الوصل إلى المطلوب أجراً وجوائز ، وللكسلان والمنحرف المتخلّف الحرمان والعقاب ، مع علمه بعدم نيل عدّة غير قليلة إلى المرتبة المطلوبة ، إلّاأنّ علمه ذلك لا يكون سبباً لترك أصل العمل والإعراض عن الغرض ، ولا لعدم الإثابة والعقاب ، ولا لقبح حرمان المحروم أو تعذيبه . ومَثَلٌ للمطلب أيضاً : بأنّه كالنجّار القاصد لصنعة أثاث ومتاع ، كالباب والسرير والصندوق مثلًا ، فيعمد إلى عدّة أخشاب ، فيشتغل بالقطع والنحت والوصل والتركيب ، مع علمه بعدم قابليّة بعض الأخشاب وبعض الأجزاء لتحقيق غرضه ، ولا يليق إلّابالإحراق ؛ فالعلّة الغائيّة حصول الأشياء المنظورة ، والغرض التبعي ما يتخلّف عنه ولا يليق إلّا بالاحتراق . ومثله الحارث للبذر ، العالم بتخلّف مقصوده في مقدار من البذور المنشورة على الأرض ، فتأكلها النملة والطيور وغيرها . إن قلت : إنّ هذا البيان صحيح في حقّ غير اللَّه تعالى من الصانعين والخالقين ، حيث إنّهم لا يقدرون على حفظ الغرض من جميع الجهات بأن يصل جميع طلّاب المدرسة مثلًا إلى ما رامه المؤسّس ، وكذا النجّار لا يقدر أن يصرف جميع أجزاء الأخشاب في سبيل غرضه ، والزارع لا يقدر إيصال جميع البذر إلى التنمية والنفع ، وأمّا الخالق القادر على كلّ شيء فلا